• ٢٧ آذار/مارس ٢٠٢٦ | ٨ شوال ١٤٤٧ هـ
البلاغ

أين وكيف صنعت داعش؟

انغير بوبكر

أين وكيف صنعت داعش؟

سيطرت جرائم داعش على مجريات الأحداث والأخبار في العالم  وتسابقت دول العالم لتشكيل تحالفات دولية للقضاء على هذا التنظيم الإرهابي الخطير فاقترح الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مؤتمراً دولياً ضد داعش  نصرة للعراق ومسيحييه ويزيديه وبتروله أيضاً وانقلب عليه الأمريكان ودعوا الناتو إلى حلف أطلسي جديد ضد داعش العراق ومهادنة لداعش سوريا خوفاً من استغلال نظام الأسد لأي فتور في القوى المقاتلة للأسد حتى ولو كانت خطراً استراتيجيا، والحال انّ داعش ونظام الأسد صنعا في مختبر واحد بل الأصح انّ بشار الأسد والمالكي في العراق هما من أشرفا على صناعة داعش من أجل نشر الفوضى العارمة التي ستجعل العالم يستعين بخدماتهم الإجرامية مرغماً رداً على الفوضى الخلاقة التي تبنتها واشنطن من أجل نشر الديموقراطية والفكر التعددي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير. لكن السؤال المطروح هل يستطيع العالم الحر أن يستأصل تنظيم داعش بالطرق العسكرية فقط؟ أم انّ الداعشية ثقافة وتنظيم في آن واحد؟

انّ المتتبع للمشهد الثقافي والفكري للبلدان التي تسمى بلداناً عربية والتي يدين معظم أفرادها بالإسلام يلاحظ تأصل الفكر الاقصائي الترهيبي والذي يمكن تسميته بالفكر الداعشي نسبة إلى ممارسات داعش الإجرامية فمثلاً عند وقوع الهجمات الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية في عقر دارها في شتنبر2001 وادت إلى وقوع الالاف الضحايا من الأمريكيين فرح العديد من العرب والمسلمين في قرارة أنفسهم بهذه الهجمات بل ازداد تسمية إسامة وأيمن للمواليد الجدد في كلِّ أصقاع العالم الإسلامي بل اعتبر البعض ما نزل بالأمريكيين مستحقاً نظراً لما ارتكبوه  من جرائم وانتهاكات في مناطق أخرى في العالم مثال آخر هو نظرة البلدان العربية والإسلامية لليهود والمعاداة الصريحة والضمنية أحياناً  لهم فدرجة معاداة اليهود في ثقافتنا  فضيعة جداً إلى حدود انّ في مساجدنا اليوم من يدعو في خطب الجمعة إلى تشتيت شمل اليهود والنصارى  وهناك من يدعو في مساجدنا وتجمعاتنا كذلك إلى الجهاد ضدهم واعتبار اليهود مرادفين للنجاسة والخداع وغيرها من الأوصاف والأقداح التي تعتبر التربة الخصبة للداعشية ومن سيأتي بعدها، كما انّ انتشار معاداة الشيعة في بلداننا إلى حد تكفيرهم عملة رائجة في ثقافتنا الإسلامية كما انّ غلاة الشيعة كذلك ينظرون بعين الريبة والشك لأهل السنة في تضاد وتناحر أبدي متوارث عن فترات حالكة من التاريخ الإسلامي  باختصار شديد الفكر الداعشي ليس غريباً عن ثقافتنا وموروثنا الحضاري والثقافي ولابد من تنقية هذا الثراث وتجديده من أجل مواجهة الأساس السوسيومعرفي للداعشية.

الداعشية ليست تنظيماً مسلحاً يستطيع العالم القضاء عليه بالصواريخ والدبابات وبالجيوش الجرارة    بل هو فكر وممارسة نابعة من فشل الحداثة السياسية في بلداننا وفشل صناع القرار في العالم في خلق مجتمع دولي عادل ومتضامن، الداعشية نتاج مباشر للاستبداد والظلم وتفشي الفوارق الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء في العالم وداخل كلّ دولة دولة، الداعشية تمظهر من تمظهرات اختلال القيم وانعدام التضامن الإنساني بين الدول واتساع دائرة الفقراء والمهمشين والعاطلين والمضطهدين في الأرض بلغة فرانز فانون يعني مزيد من استقطاب الحركات الإرهابية للشباب العاطل الدي يفجر طاقاته ومكبوتاته في العنف والقتل والجريمة ويسهل استقطابه من قبل الحركات الإرهابية في العالم، انّ التعامل مع الإرهاب بمستوى دون المستويات الأخرى تعامل لا ينتظر منه نتائج واقعية وحاسمة، التعامل مع الإرهاب والتطرف والداعشية كتمظهر من تمظهراته يكون بالعمل على إعادة النظر في العلاقات الدولية وضرورة إقرار نظام دولي عادل يفرض الديموقراطية بجميع مستوياتها على أنظمة المجتمع الدولي، فمادام النظام العربي الحالي المستبد والناهب لثروات الشعوب  قائماً فالإرهاب سيكون وسيتقوى  ومادام العالم يسمح لأنظمة مستبدة قاتلة لشعوبها في الاستمرار في الحكم فاعلم انّ داعشيات أخرى ستولد وستأتي على الأخضر واليابس، لذلك أرى بأنّ محاربة داعش لابد أن يكون فكرياً وثقافياً بنشر العلم ومنتجاته بكلِّ حرية وبنشر الديموقراطية وحقوق الإنسان  واستئصال الأنظمة التوليتارية التي تستغل الدين من أجل التستر على نهب ثروات شعوبها. فلنعطي المثال السوري، الغرب سكت على جرائم نظام الأسد منذ مجرزرة حماة سنة 1982 التي قام بها حافظ الأسد ودمر مدينة بأكملها ولأنه أي حافظ الأسد حليف للغرب ومنفذ لأجندته فقد غمضوا أعينهم عن هده الجرائم  وصمت العالم الحر عن فضاعات سجن تدمر وسجون أخرى وتواطئ العالم في سنة 1999 عن خرق دستور سوريا وتوريث بشار الأسد الحكم في ضرب سافر لكلِّ القيم الديموقراطية  إلى أن فجع العالم اليوم بجرائم وفضاعات بشار الأسد ومازال الغرب متواطئاً ومباركاً من تحت الطاولة لبشار الأسد رغم كلّ المؤتمرات الدولية التي تعقد هنا وهناك بدعوى مناصرة المعارضة السورية.  أمام هذا الوضع وضع الشعب السوري بين كماشة نظام أسدي ظالم ومجرم وحركات متطرفة فاقدة للحس الإنساني وبقي العالم والأمم المتحدة منظمة دولية مسؤولة عن الأمن والسلام في العالم عاجزة عن انقاذ الشعب السوري، فكانت داعش الوليدة الشرعية لهده الحالة السورية المتردية  فسعى الغرب اليوم إلى القضاء على داعش متجاهلاً مسبباتها وأسباب نزولها، اما الحالة العراقية فهي شبيهة للحالة السورية، المجتمع الدولي وقواه الكبرى نصبت نوري المالكي ديكتاتوراً على العراق وسفك من دماء العراقيين ما لايعد ولايحصى وشرد شيعة العراق وسنته وكرده واستباح المحرمات،  ولكن لأنّه حارس أمين لمصالح الغرب في العراق وخاصة المصالح البترولية فالغرب سكت عن جرائمه إلى  أن ولدت داعش العراق من رحم المعاناة والإقصاء والقتل المذهبي  وبدأت في الانتقام من الأمريكيين فثارت ثائرة أوباما وكيري  في تمييز واضح بين القتلى العراقيين والقتلى الأمريكان فتبين أخيراً للأمريكان بشاعة جرائم نوري المالكي فضغطوا لتصفيته سياسياً واستبداله بالعبادي، الدول الديموقراطية الغربية تتحمل مسؤولية كاملة في وصول التطرف والإرهاب إلى هذه المستويات الدموية في العالم كما سكتوا وتواطؤا مع صدام حسين وحافظ الأسد وغيرهم فقتلوا من شعوبهم العدد الكثير وبالأسلحة الكيماوية  النتيجة هي ولادة تنظيم القاعدة  الذي أتى على الأخضر واليابس نفس الشيء يتكرر، التواطئ مع بشار الأسد ونوري المالكي والتلكؤ في مواجهة الاستبداد يعطينا اليوم تنظيم داعش وإذا استمر المجتمع الدولي في تغاضيه ومساندته للاستبداد والديكتاتورية فلينتظر العالم تنظيمات إرهابية أخرى أشد فظاعة من داعش والقاعدة  .

 الداعشية كما يقول الأستاذ حسام شاكر في مقال له نشر بجريدة المساء المغربية ليوم الجمعة 5شتنبر 2014 :- لم تخرج داعش من كهوف الماضي، وإن بدت  أشبه بمسلسل تاريخي متقن نسبياً، فالظاهرة صعدت من صميم المجتمعات العربية المتعثرة  ومن مناهج التعليم التي قدست القائد الأوحد وأسلاك التجزئة وغيبت الوعي  وخدرت الشعوب. هي جاءت من تعطيل السياسة، وخنق المجتمع، وسحق الكرامة، وتجهيل الأجيال، وسرقة خبزها.-

 

تعليقات

ارسال التعليق

Top